14 نوفمبر، 2012

صالح ولد حننا ... قراءة هادئة / محمد لمهابة ولد بلال


ولد صالح ولد حننا مرتين أولاهما في منتصف عقد الستينيات من القرن الماضي عندما أبصر النور صبي في الفضاءات الجميلة الممتدة من أكجرت الى حاسي أهل أحمد بشنه  بلعيون في ولاية الحوض الغربي بعد سنوات من نيل البلاد إستقلالها الوطني ؛ وثانيهما بعد ساعات من بزوغ شمس الثامن من يونيو 2003 عندما بدأت طلائع وسائل الإعلام الدولية تتلعثم في اسم رائد سابق كمتزعم لمحاولة انقلاب جريئة غير مسبوقة   رسمت بعناية أستخدمت فيها دبابات وطائرة عسكرية  أعادت  الإنقلابات العسكرية  الى بلد الإنقلابات  بعد ان كاد  "ثعلب " العسكريين  الموريتانيين ولد الطائع  ينهيها من فكر وعقل الضباط العسكريين على مدى 20 عاما .
تفشل محاولة الإنقلاب ويغادر صالح البلاد مشكلا تنظيما عسكريا أطلق عليه اسم فرسان التغيير ؛ و يبدأ اسم الرجل يشق طريقه بشكل متصاعد نحو  مداولات الرأي  العام الشعبي والرسمي ؛ و ليشكل مادة دسمة أقامت الدنيا وشغلت المخابرات  أشهرا طويلة  قبل ان يلقى في سيارة تابعة للدرك الوطني من مدينة روصو الى انواكشوط في يوم ساد الغبار العاصمة انواكشوط  ؛ وخيم الصمت و الشعور بالآسى بين مناصري الرجل عندما أعلنت وسائل الإعلام الموريتانية الرسمية في أجواء أشبه بالإحتفال  القاء القبض على من سمته  "المجرم " .
من جديد يكون اسم صالح ولد حننا  عنوان رحلة السجن والشائعات و محاكمة واد الناكة الشهيرة؛ لم يكن ولد الطايع كولد هيدالة بل كان اكثر تسامحا هكذا  يقول أغلب  المحللين  عندما لم يحكم   حتى بالإعدام فضلا عن تنفيذه  على قادة انقلاب قال البعض انه دموي  أو على الأقل شبيه الى حد بعيد بمحاولة انقلاب 16 مارس 1981 ذات ضحى عاشته انواكشوط على وقع أزيز الرصاص .
تمر الأيام  سراعا ويحل الأول  من أغسطس 2005 وتأتي الأخبار من  المملكة العربية السعودية عن وفاة  الملك فهد بن عبد العزيز و  يتأهب سيد  القصر الرمادي معاوية ولد سيد احمد الطايع  لشد الرحال الى الرياض لتقديم واجب العزاء ؛  رحلة يشاء الله ان تكون طويلة وحتى كتابة هذه الأسطر لم تلح بعد نهايتها  ، الثالث من أغسطس ؛ انواكشوط ليس ككل الأيام ؛  الرجل القوي في الجيش  قائد كتيبة الرئاسة  العقيد محمد ولد عبد العزيز يوزع وحداته على أبرز  النقاط الحيوية في العاصمة ، تسود الشارع تساؤلات  في ذروة الترقب ؛  انقلاب أو صد محاولة إنقلاب ؟ ساعات قبل أن تتكشف الحقيقة ،  وتطل الصحفية الموريتانية فاطمة منت شيخنا معلنة للعالم أن نظام ولد الطايع بات خلفنا .
يمر شهر  ليظهر العقيد اعلي ولد محمد فال رئيس المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية  في وسائل الإعلام الرسمية موجها  خطابا في الثاني من سبتمبر 2005 يعلن فيه عن عفو شامل  ؛ من جديد الأضواء  الى منزل ولد حننا البطل الشعبي يظهر خطيبا مثقفا  ، أيام قليلة وتتبلور قيادته  لحراك سياسي ؛ هذه المرة  رفاق السلاح وضعوا السلاح  وتنادوا  للإنضواء في تشكيل سياسي بحت ، نقاش وسهر و جولات على طريق الأمل من مقطع لحجار الى لعيون ؛  فكوبني حتى النعمة ..
الرفاق ينجحون في  الإلتئام  في حزب سياسي  سمى حزب الإتحاد و التغيير المورتاني و عرف اختصارا  بكلمة باتت على لسان كل الموريتانيين   "حاتم" ؛ من جديد صالح الى الزعامة  بعد قيادة  محاولة الإنقلاب وقيادة فرسان التغيير جاء الدور على حاتم  ؛  وكما فشل ولد حننا في انقلابه على ولد الطائع فشل في الإبقاء على رفاق دربه في هذا  الحزب ؛ ليشهد حزب حاتم  في سنوات قليلة جدا  نزيفا غير مسبوق على مستوى القيادات الذين كان لهم الفضل في اخراجه الى النور ؛ وليدرك العسكريون السابقون بالتجربة  ان الأحزاب السياسية ليست كالفرق العسكرية التي تعودوا فيها  "أمركم حضرات" ؛ بل تحتاج لمرونة وصبر  ؛ ولأخذ  و رد .
الرائد السابق محمد ولد شيخنا العقل المدبر للإنقلاب كما يسمى كان أول المنسحبين  وتتوالى الإنسحابات على مستوى هذه المرة المنتخبين وكأن الضباط  احترموا الرتب العسكرية حتى في الإنسحاب من الحزب فبعد الرائد توالت انسحابات  النقباء ،  عبد الرحمن  ولد ميني النائب في الجمعية الوطنية عن  انواكشوط  يغادر الحزب  ،  الطاهر ولد الفروة عمدة مقطع لحجار يعلن انسحابه  من الحزب ،  سعدنا ولد حمادي عمدة لعيون  معقل حاتم   بدوره يودع الحبيب .
وحتى الشق المدني في الحزب إن جازت التسمية هو الآخر بدأ ممارسة حقه في الإنسحاب  مولاي ولد ابراهيم  نائب مقطع لحجار وشيخ لعيون الحسين ولد العاقب الكل لسان حاله  : لا "حاتم " بعد اليوم   .
لكن الحزب لم يترهل  قبل ان حمله رئيسه  أكثر مما يتحمل فبعد أن نقله  وبجدراة الى الجمعية الوطنية كنائب ممثل للشعب ؛   ترشح أيضا للرئاسيات  مرتين أولاهما 2007 عندما دعمه الإسلاميون والثانية عام 2009 بشكل مفاجئ بعد ان دعم الإنقلاب ا لعسكري  على أول رئيس مدني منتخب وصرح تصريحه الشهير  "موريتانيا أهم من الديمقراطية" ،  ليعود  من  أبرز معارضي الرئيس الحالي محمد ولد عبد العزيز ،  ويبرز كأحد قادة المعارضة الكبار خطيبا ومطالبا من أعلى منابر المسيرات والمهرجانات بالرحيل  ؛ مبرهنا على صمود حاتم كحزب سياسي لا يزال يترك بصمته على الحياة السياسية رغم أن المتشائمين يتساءلون منذ بعض الوقت  متى يطلق ولد حننا رصاصة الرحمة  على حاتم بانسحابه منه ؟
ومهما يكن من أمر فمن الصعوبة بمكان  التكهن بمستقبل  حزب حاتم في ظل ساحة سياسية مضطربة  وسياسيين موريتانيين دأبوا الحل والترحال ، لكن صالح ولد حننا سيبقى  عصيا على النسيان في ذاكرة الموريتانيين بوصفه  أحد الرجال القلائل الذين هزوا الساحة هزة  هي الأخرى لا تزال عصية على الهدوء ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق